الطفل الباكي .. والطفل الخجول!
هذه الصورة الباكية الماثلة أمام ناظريكم، ليست لأحد طلبة الأزهر، متأثرا وهو
يتلو القرآن الكريم، بقصة يوسف – عليه السلام -
وإخوته مجتمعين يهمون بإلقائه في غيابة الجب؛ ليلتقطه بعض السيارة!
وإنما هي صورتي في مرحلة الطفولة، ولم
أدخل عليها أي تعديل، سوى تلوينا خفيفا؛ لتتضح تفاصيلها الصغيرة، وترى دمعة صغيرة براقة،
انسابت على خدي الأيسر، تقود دمعات أخرى لازالت تتولد حينها في مقلتي.
فلماذا هذه الدمعات، ولماذا هذا الحزن،
الذي جعل ملامحي تحاكي صورة الطفل الباكي، التي لم تكن تخلو منها جدران غالب
البيوت السعودية في سبعينات وثمانينات القرن الميلادي الماضي، وهي لطفل صغير هرب
من منزله بعد أن اشتعلت النار فيه، وكان الطفل شاهداً على احتراق والده أمام عينيه،
فهام على وجهه في الطرقات، إلى أن عثر عليه فنان تشكيلي يدعى "أماديو" فرق
قلبه له، ورسم وجهه الباكي في لوحة انتشرت في أمريكا وأوروبا، انتشار النار في
الهشيم، ونسجت حولها الأساطير، ومنها أن من علقها يحترق بيته هو الآخر!
لكن صورتي هذه لم تحظَ ولو بجزء يسير من شهرة الطفل الباكي، رغم أنها صورة
حقيقية، لشخصية (مهمة) معروفة! وتحمل من المشاعر الكثير، ولن يضر مدير المدرسة شيء
لو علقها خلفه، من باب المحافظة على التراث المحلي!
في طرف القرية الغربي؛ حيث تتمدد
مزرعتنا الكبيرة، تحيط بها مزارع أعمامي، ولدت وترعرعت، محاطا بإخوتي، ووالدي
ووالدتي وعمي؛ الذي يكبر والدي ولم يتزوج، وعمي الآخر؛ الذي يصغر والدي ومعه أسرته.
وحين بلغت سن الدراسة، وأراد أبي إلحاقي بالمدرسة، كان لابد من إرفاق صورة
فوتوغرافية حديثة لي ضمن المتطلبات الأخرى، والدرعية آنذاك لا توجد بها استديوهات
التصوير، فكان لزاما أن يشد المرء رحله إلى الرياض، وإلى البطحاء على وجه الخصوص،
ذلك الحي الصاخب، الذي كنا نراه آنذاك كما ترون طوكيو الآن!
أصابني الخوف، حينما أخبرني والدي،
أننا سنذهب غدا للرياض للتصوير؛ فلأول مرة أخرج من مزرعتنا، وقريتنا الصغيرة، إلى
رحاب العاصمة؛ وأنا استرجع ما تختزنه ذاكرتي عنها، من وصف سمعته من أولئك الذين
سنحت لهم فرصة (السفر) للرياض، وهم يحكون ما رأوه من أسواق ودكاكين وسيارات كثيرة،
وعمارات شاهقة، وأناس كُثُر، وأنا أفغر فمي مشدوها، فبعضها أستطيع تصوره، والكثير
منها يصعب إدراكه، وقديما قال الفقهاء "الحكم على الشيء فرع عن تصوره".
ونحن في مزرعتنا لا نكاد نرى سيارة تمر من سكتنا الضيقة في العفيري؛ الواقعة
بمحلة ضيق، إلا مرة في اليوم أو اليومين!
أما الحي التجاري في الدرعية المسمى سمحان، فكنا نراه وقتها حيا كبيرا، لا
يتسنى لأي أحد منا الوصول إليه، إلا على فترات متباعدة، وهو في نظرنا حي يسكنه
الأثرياء من "أهل البلاد"، وتتناثر على جوانب شارعه الرئيس، دكاكين
أهالي الدرعية، ويخالطهم قلة من البائعين من اليمن الشقيق.
كنت شغوفا حين أذهب مع والدي إلى هذا الحي في نادرة من النوادر، أن أتمعن
في التفاصيل، وأمطر والدي بسيل من الأسئلة، وكان لا يضجر من أسئلتي، بل يجيب عليها
أحيانا بدقة، وكثيرا ما يجيب عليها بأسلوب فكاهي، والفكاهة أو (العَيَارة) صفة
لازمت والدي طوال حياته.
فهذا الخياط (أبو عبدالله) ذو الابتسامة الدائمة يخيط في دكانه، وعلى مدخل
باب الدكان علّق مجموعة من سراويل (السنّة) الكبيرة، فأخذت تتراقص مع لفحات
الرياح، كثوب درويش صوفي يرقص في حلبة زار، وأمامه وقف بائع الغاز وقد كوّر شماغه
فوق رأسه، وطوى أسفل ثوبه حول خصره، وهو يهم بحمل أسطوانة غاز (50 رطلا) ليضعها في
صندوق عربة الغاز، بينما مساعده يقف أمام العربة، ويثبتها بشدة؛ كي لا تنزلق تحت
وطأة ثقل الحمولة؛ فتنحدر وترتطم بمدي المسجد (خزان ماء اسمنتي لوضوء المصلين)،
الذي احتل وسط ساحة سمحان.
وبجوار بائع الغاز جلس محمد علي اليماني على عتبة مدخل بقالته، التي احتلت
زاوية الشارع المهمة، يراقب ماذا سيحدث لعربة الغاز هذه المرة، غير عابئ بأحدهم وقد
أدلى حبلا من شباك غرفته، فوق رأس البائع مباشرة، وربط فيه زنبيلا، وأخذ يهزه؛
ليلفت نظر البائع، الذي لم يعره اهتماما، فازدادت بشرته الحمراء احمرارا، فبدا وهو
يعتمر قلنسوته الخضراء، كفحل فجل براق، أو ثمرة طماطم يانعة!
وعلمت
من أخي لاحقا، أن صاحب الزنبيل هو الأستاذ مختار؛ مدرس التربية الرياضية في
الابتدائية! فازداد عجبي من هذا الرجل المفتول العضلات، كيف يستكثر خطوات نزول
قليلة!
وفي ناصية الشارع الأخرى؛ المقابلة
لدكان اليماني، جثا أبو خالد على ركبتيه في بقالته، أمام صناديق علب البيبسي
المعدنية، التي لتوها نزلت في السوق السعودية، وانهمك في رصها بانتظام في الثلاجة،
وعلى الرف اصطفت قوارير بلاستيكية مملوءة بحلوى المصاص الأسود بنكهة شراب البيبسي،
وبجانبها انتظمت في صفوف، قناني بلاستيكية صغيرة مُلئت ببودرة الحلوى (الشربيت)، تحسبها
لأول وهلة بيادق شطرنج، تنتظر أوامر الهجوم!
وبجوار دكان أبي خالد، وقف أحدهم في محل أوسع من الدكاكين الأخرى، تتدلى
فوق رأسه عناقيد موز في رمقها الأخير! واستقرت أمامه خزانة زجاجية، صف داخلها تنكات
الحلاوة الطحينية، والزيتون الأسود، وقوالب الجبنة البيضاء، وفوق الخزانة رص رزما
من الأوراق الشفافة؛ التي يلف فيها الساندويشات،
وتقابلها من الناحية الأخرى علب الحلوى وعلوك النعناع، ذوات الرائحة النفاذة، وبدا
لي من بعيد أنه منهمك في نقاش طويل مع زبون أصر أن يفرغ البائع العجين كاملا من
الخبزة؛ لتستوعب أكبر قدر من الحلاوة الطحينية، والمسكين يحاول عبثا إفهام الزبون
اللحوح أنه أفرغ العجين تماما من الخبزة حتى كادت أن تنثقب!
ولن تستطيع أن تواصل مراقبة الرجلين، دون أن تصرفك عنهما رائحة الخبز
الطازج المنبعثة من مخبز العامل اليمني ناجي، وستسمعه يردد من حين لآخر: "الطاولة
.. الطاولة"؛ حاثا رفيقه عبده على الاستعجال في إحضار طاولة كرات العجين
(التناثيل)؛ ليصنع منها الأرغفة اللذيذة، وبجوار أذن ناجي تدلت بقايا ما يفترض
أنها فوطة، تمازجت ألوانها مع عرق وجهه ورقبته!
وقف
الزبائن داخل المخبز في صف طويل امتد إلى الخارج، وقد أمسك كل منهم بفوطة؛ ليلف
بها أرغفة الخبز قبل أن يبرد، وأنظارهم جميعا مصوبة تجاه أحد أبناء الأسر الميسورة،
وهو يحمل حقيبة جلدية (عليقة) وينتظر دوره في شموخ، بينما وقف عند باب المحل
شقيقان، يخططان لتجاوز الصفوف، وكل منهما يحمل نصف ريال في يده؛ فالمروءة المؤقتة،
والثغرة الكبيرة في قانون العرف المجتمعي، اقتضت أن من يشتري بنصف ريال فأقل، يقدم
على صاحب الريال والريالين! ولازلت أرى ما يشبه هذا العرف معمولا به عند المحاسبين
في الأسواق التجارية الكبرى!
لكن رائحة احتراق بشعة، لابد أن تقطع عليك الاستمتاع برائحة الخبز، وتصرفك
عنها عنوة! فهناك؛ حيث الجانب الآخر من الشارع الرئيس، تتسرب أدخنة من أمام باب أحد
الدكاكين الطينية المتجاورة المقابلة للمخبز، وسرعان ما ستتبين أنها رائحة دخان رقعة
إطار مطاطي (كاوتش) مثقوب، لدراجة أحد أبناء المزارع، تركها عند أبي محمد ليعالجها،
ووقف ينتظر دوره في المخبز! وأبو محمد ما انفك واقفا يحدق في الرقعة وظهرها يحترق،
ممسكا في يده كأسا معدنيا؛ ليسكب منه على الرقعة قبل نزعها من الكماشة.
وكم أحزنني حال ذلك الرجل الكفيف الذي يجاور دكانه دكان أبي محمد، وهو
يستنشق بصورة مستمرة، دخان الرُقع التي يشعلها أبو محمد كل يوم خارج دكانه؛ الأمر
الذي أثر على صحته؛ فلازمه السعال، ولم يعد بدنه الهزيل يساعده على حمل حُزَم
البرسيم أو الزرع؛ ليضعها في سيارات زبائنه، الذين اعتادوا على شراء العلف منه؛
لإطعام شاة أحدهم أو عنزه، ولم تظهر على أي منهم بادرة تعاطف مع الرجل الكفيف!
وكما أن المشاهد التراجيدية تتكرر في ساحة سمحان، التي تشبه إلى حدٍ ما
ساحة الفناء في مراكش، فإن المشاهد الكوميدية تحصل أحيانا بشكل عفوي؛ فيصدف أحيانا
أن ترى بعض السواح الغربيين أثناء تجوالهم بين البائعين، وفي يد كل منهم آلة
التصوير، ينتفضون فجأة، ويكثرون الالتفات، حينما يسمعون ما يظنونه صوت زئير أسد، ينبعث من حوش طيني موصد الأبواب
في ناصية الشارع الفرعي!
وتمضي هنيهات قبل أن يكتشفوا أنه صوت رغاء بعير، عقل يده صاحبنا "صالح
الرَّسَمي"؛ ذلك الجزار اليمني قصير القامة، ودخل مع ضحيته في عراك شديد غير
متكافئ، بعد أن استنفد جميع فرص إقناع البعير بلي
رقبته نحو سنامه؛ ليتمكن من نحره، وتستمر المعركة شبه اليومية إلى أن يخرج
جاره النجار لمساعدته، ذلك الرجل العقيم، الذي لا يكاد يُرى إلا وهو محتضن خشبة
أثل، يهذبها بقدّومه دون كلل أو ملل.
وهذا الرجل المنقِذ، ذو اللحية الكثّة، آخر من بقي – آنذاك - ممتهنا
النجارة من بين أفراد أسرته، التي اشتهر أبنائها بالمهارة في حرفة النجارة؛ فكانوا
يصنعون غالب ما يحتاجه أهالي الدرعية، والفلاحون منهم خاصة من أدوات السانية
والأبواب والأواني الخشبية وغيرها.
جرت أمامي هذه المشاهد - التي أخبرني والدي أنها تتكرر يوميا مع بعض
الاختلافات اليسيرة - وأنا جالس على عتبة باب مسجد الحي، متكئ بمرفقيَّ على
ركبتيَّ، محيط ذقني الصغيرة براحتَيَّ، وبجواري جلس والدي وراح – كعادته – في حوار
طويل مع أحد كبار السن، وهما ينتظران اكتمال عدد الركاب، في سيارة أبي فهد
الشفروليه الصفراء.
ويبدو أن انتظارنا قد امتد – دون أن نشعر – إلى وقت أذان الظهر؛ فها هو
المؤذن قصير القامة، ذو اللحية الطويلة، أقبل وهو يستعد للنظر في ساعته، التي ربطها
في سلسلة أدخل حلقتها في زرار ثوبه، وتدلت لتظهر من خلف لحيته كأفعى صغيرة، ثم
عادت لتصعد وتدخل في جيب صدره، وتعض في ساعة "الويست إند"، ذات الصليب
الأخضر.
لما
نظر المؤذن في ساعته، تبين له أن الوقت بقي على دخوله دقائق، فاستغلها في إلقاء
موعظة على المارة، ذكرهم فيها بفناء الدنيا، وأن المغرور هو من اغتر بالبقاء،
واستنفد جهده في ملاحقة رزق مضمون، وغفل عن مصير غير محسوم!
وسارع السواح إلى توجيه كاميراتهم
نحوه، لاقتناص لقطات قد لا تتكرر، لكنه قطع الموعظة حين رآهم، وسارع بالصعود إلى
منارة المسجد ليؤذن، فازداد إعجابهم بالمشهد، وسلطوا عدساتهم نحوه، حدث كل ذلك
وأبي وصاحبه لا يزالان ينتظران صاحب سيارة الأجرة أن يعلن إقلاع الرحلة، لكن الرجل
لن يتحرك من المحطة، قبل أن يكتمل عدد الركاب الستة، وسبق أن أخبر الجميع أن من
كان منهم في عجلة من أمره، فعليه أن يدفع أجرة من لم يأتِ بعد من الركاب؛ قبل أن تنطلق
السيارة إلى محطة المقيبرة في وسط الرياض.
اكتمل
الركاب الستة بعد مضي نحو ساعة، وركبت جوار والدي، وانطلقنا للرياض، وحرصت أن
أتمعن في كل ما سنمر عليه؛ فقد كانت فرصة لا تتكرر كثيرا، ناهيك عن وصية إخوتي لي،
بضرورة تقديم تقرير مفصل عن كل ما سأشاهده، في رحلتي إلى الرياض.
وها نحن نحاذي مبنى البلدية على اليسار وكان لتوّه قد انتهى بناؤه، ثم نزلنا
مع منحدر ظهرة الشعرا إلى حيث السهل، وحاذينا مكتب الكهرباء، ثم المخبز، وتلته
الجمعية التعاونية متعددة الأغراض، ثم سكة صغيرة، يأتي بعدها رجل قد توسد عتبة
دكانه، وغطى وجهه بعذبة شماغه، وخيّل إليَّ أنه قد حسر الشماغ قليلا؛ ليظهر طرف
عينه نصف المغمضة، ربما ليراقب دخول الزبائن للجمعية، أو يترصد حمامة انشغلت عنه
بالتقاط قشور الفصفص المتناثرة عند باب دكانه!
وبجوار الرجل، اصطف مجموعة من الكهول على أريكة طينية داخل حجرة بثلاثة
جدران، ولم يبنَ من جدارها الرابع سِوى ذراع، وأخبرني والدي أنها مجلس الجماعة؛ التي
يجلس فيها المصلون بعد صلاة الجمعة للسلام وتبادل الحديث.
واصلنا السير، لننعطف يسارا، ثم صعدنا طريقا طويلا، غرست على امتداد جهته
اليمنى أعمدة نور منحنية، حسبت أنها بادرت بالانحناء حين رأتنا مقبلين؛ ربما لترحب
بمرورنا أمامها، وحرصت حين تجاوزناها أن ألتفت نحوها؛ لأنظر هل ستعتدل أم لا!؟ لكن
رجلا ضخما يجلس في الخلف حجب عني الرؤية!
حين وصلنا تقاطع طريق الدرعية مع طريق صلبوخ، انتظرنا برهة خلو الشارع،
لنعبر إلى جهته المقابلة نحو محطة البنزين (شيشة ابن نصار)، ورأيت خزانا اسمنتيا
طويلا يقف شامخا بجوار المحطة، وهالني ارتفاعه، فسألت والدي عنه، فأخبرني أنه بني
لسقيا أهل الدرعية جميعا، وتعجبت من ارتفاعه الشاهق، وتولدت في ذهني تساؤلات أثناء
وقوفنا لنملأ خزان السيارة بالوقود؛ فكيف سيصعد الماء ليصب بأعلى الخزان، ولماذا بُني
هنا بعيدا عن البلدة، وهل كان من الأجدى حفر بئر بدلا من هذا البناء الاسطواني
الغريب!؟
أفقت من خيالي على صوت عطسة شديدة من أحد كبار السن الجالسين في المقعد
الخلفي، فأحدثت هزة في السيارة بلغت تسع درجات على مقياس ريختر! ولتيقنه أن العطسة
الأولى لم تكن كافية لهز عنقود الفاكهة البلاستيكي المعلق في مرآة سقف السيارة، فإنه
أردف الأولى بثانية، وثالثة أخرى، كانت كافية لجعل العصفور البلاستيكي الراقد فوق عنقود
الفاكهة، يطير ويجثم على كتف السائق، فبات يشبه القرصان!
وسررت حين اكتشفت أني لم أكن الوحيد الذي أفزعته عطسة ذاك الكهل؛ فقد انتفض
السائق فجأة وأوقع العصفور، وقطع حديثه مع عامل المحطة، حين رأى الجميع يراقبونه، وأدخل
يده في صندوق كان يتكئ عليه، واختار - كيفما اتفق - ما وقعت يده عليه من أشرطة الكارترج،
ووضعه في مسجل السيارة؛ لينطلق صوت كهل بدا من لهجته أنه من فناني الخليج، وأخذ
يصدح بأغنية، أذكر منها:
لا ذكرت الزمان اللي مضى والرفاقة
عوّد القلب يرجف مثل رجف المكينة
وعجبت
من هذا الاتفاق غير المخطط له، بين قلوبنا التي رجفت من عطسة الكهل، وقلب المغني
حينما رجف وهو يستعيد ذكرياته الغابرة مع حبيبته!
وحتى لا أطيل عليكم (ومالكم في الطويلة) فقد أوقفتنا سيارة الأجرة في محطة
الوصول في المقيبرة (الستيشن)، وكان لابد أن نقطع بعض الشوارع والأزقة راجلين؛
لنصل لمحل التصوير؛ فقد جرت العادة أن سيارة الأجرة تنطلق من نقطة معينة وتقف عند
أخرى، ومن أراد الذهاب إلى مكان ثانٍ، فلا بد أن يدفع كلفة زائدة!
مضينا أنا ووالدي نسير طويلا، وكان همي الأكبر أن أحكم قبضتي بأقصى قوتي
على ثوب أبي؛ كي لا أفقده في زحمة الطرقات، فيزيغ عقلي! والحمد لله فقد أبطأت
قبضتي على ثوبه، وساقاي الصغيرتان، وخطواتي المرتبكة، والتفاتاتي الكثيرة
المشدوهة، نحو كل ما أراه من أحداث أو بضائع غريبة في حي البطحاء، أبطأ ذلك كله من
مشيه السريع المعتاد، الذي يلحظه كل من مشى برفقته!
وصلنا محل التصوير بعد عناء وجهد، فإذا برجل يلبس بنطالا ورديا وقميصا أرجوانيا
لامعا، يكسو رأسه شعر مجعد لامع، خُيِّل لي وقتها أن جميع كريمات الشعر في البطحاء
قد أفرغت في رأسه، ولم تفلح في فرد خصلة واحدة منه! وأظن أن مشكلة الشعر المجعد،
كانت السبب الوحيد في عدم قبوله مصورا في استديوهات بوليوود، رغم احترافه التصوير
وخبرته الطويلة، كما سيمر معنا!
سلمنا عليه، فإذا بلكنته تكشف أنه من أبناء محافظة حَجة في اليمن، وهذه
اللكنة طالما سمعتها في الدرعية، من أفواه إخواننا اليمنيين، الذين لا يوجد سواهم
من غير السعوديين في الدرعية آنذاك، وكانت المرة الأولى التي أرى فيها يمانيا يلبس
لباسا افرنجيا بدلا من الثوب والشماغ الملفوفة على الرأس!
أخبره والدي أنه يريد صورة لي من أجل
المدرسة، وأن مقاسها لابد أن يكون 4سم * 6سم.
"ولا
يهمك يا عمّنا .. ونشتي نكبّر وحدة منها؛ هدية لكم من المحل"
وعلى الفور، طلب مني المصور أن أجلس على كرسي التصوير، وخلع والدي طاقيته
الكبيرة الواسعة، وألبسني إياها، فكادت أن تغطي عينَيَّ، لولا أن أُذنَيَّ، وذوائب
شعري "المعكرش" المنحنية نحو الأعلى، منعت الطاقية الواسعة من مواصلة الانحدار!
كنت خائفا جدا، وطلبت من والدي أن يقف
بجواري، فرفض المصور ذلك، وأشعل كواليس التصوير، ووجهها ناحيتي، فلم أعد أرى
والدي، فأصابني الفزع، وهممت بالهرب، لولا أن والدي تمتم بكلمات، فهمت منها أنه لا
يزال حولي!
وفجأة .. اختفى المصور هو الآخر، تحت ستارة سوداء، كانت مثبته في
الكاميرا، فأصابني الرعب من تصرفه المستهجن، الذي لم أفهم مغزاه! وبدأت عيناي
تذرفان الدمع، رغم تجلدي للشامتين؛ لأريهم أني لا أتضعضع عند أول نائبة من نوائب
الدهر!
وحاول المصور مرارا أن يهدئ من روعي،
فلم يفلح!
ولما سمع همهمة وتململ أحد الآباء
الذين كان ينتظر دور ابنه في التصوير، وخشي أن يغادر، "فيفلس منه ويفلس
مني" داس على جميع أخلاقيات المهنة، وخرق بملء إرادته الميثاق الشرفي الذي
التزم به مع بوليوود وهوليوود ووارنر بروذرز واستديوهات عجمان الخاصة، وباعني بأول
سومة! وضغط زر الكاميرا، فأبرقت الغرفة بوميض حاد، أصابني بعده عمى مؤقت، وخرجت بعد
ذلك صورة "الطفل الباكي"، التي ترونها في الأعلى!
وما يدعو للعجب، أن المدرسة قبلت الصورة، ووضعتها في أعلى الصفحة الأولى في
ملفي، غير عابئة بمظهر الحزن الذي ارتسم على وجهي،
ولسان حال مديرها يقول:
لا بأس
.. فستواجه في المدرسة فتنا؛ ستنسيك ما واجهته في رحلة التصوير، والأيام بيننا!
لم ترضني صورتي التي ظهرت فيها باكيا، فألحيت على والدي طالبا أن يصورني
غيرها "أبي صورة تطلق الوجه" ولم يملك والدي سوى الرضوخ أمام إلحاحي!
وليتفادى والدي الموقف السابق - البكاء أمام الكاميرا - أخذ معي إخوتي،
وذهبنا ماشين إلى (ستيشن) سمحان، وكانت سيارة الأجرة هذه المرة، سيارة بيجو بوكس،
ولن تغادر المحطة حتى تمتلئ بالركاب، كما هو
معلوم.
ركبنا وانتظرنا طويلاً فلم يأتِ سوى راكب واحد، إلى جانب أبي وأنا وأخويَّ
وأختي! فأصبح مجموعنا ستة ركاب، وأبى سائق السيارة أن ينطلق إلا بعد أن يأتي اثنان
على الأقل! فتشاور والدي مع الراكب الآخر، وقرر دفع قيمة أحد المقاعد، والراكب
الآخر دفع قيمة المقعد المتبقي، فانطلقنا للرياض.
كان ركوب السيارة – بصحبة الأتراب - متعة لا توصف، والكل منا يلح؛ كي يجلس
جوار الشباك، فيما والدي مستغرق – كعادته - في الحديث مع الراكب الآخر والسائق أيضا
في أحاديث شتى، ولم يكن يقطع همساتنا نحن الصغار، إلا قهقهة الرجلين على موقف رواه
والدي!
كان حديث والدي لا يُمَل من جلاسه،
لكنه – على كل حال - لم يكن يشدنا نحن الصغار؛ لاختلاف الاهتمامات بين الجيلين، وأذكر
أن والدي حدثهما عن قصة الأعمى الذي كان في الدرعية، ذي القدرات العجيبة! فقد كان
يصعد النخل ويلقحه، ويقطع الجريد، ويجني التمر، ويعرف أنواعه بدقة بمجرد أن يلمسه،
ويعرف المار بجواره من قرع نعله، وغير ذلك من القدرات!
حاذينا مستشفى الشميسي، فطلب الراكب النزول، وذهب في حال سبيله، وهو لا
يزال يقهقه وكتفاه تهتزان؛ ربما جراء حكاية فكاهية رواها أبي، أو تعليق بليغ من
تعليقاته الساخرة، على شيء مررنا به في الطريق، ونحن مشغولون باللعب في حوض
السيارة الخلفي.
كنا نسمي الحوض الذي يكون في خلف السيارة البوكس، حوض الغنم! ففي ذلك الوقت،
تكاد لا ترى سيارة من هذا النوع إلا وفي حوضها الخلفي شاة أو عنزا ترافقها حزمة
برسيم، فتطل برأسها بين الركاب حينا؛ لتشاركهم الحديث، أو متلذذة بمضغ طرف شماغ
أحدهم حينا آخر!
وصلنا ستيشن المدينة، ونزلنا نمشي خلف أبي، في طريقنا للاستديو، ولن أعيد
وصف المشهد الذي حصل معي في المرة السابقة، لكن المشهد هنا اختلف قليلا! فقد كنت
أشعر بالاطمئنان وإخوتي يحيطون بي؛ فلم أعد أراقب خطوات أبي المسرعة، وهو يتخطى
برشاقة عتبة رصيف، أو يروغ بخفة بين بضائع الباعة، الذين احتلوا غالب أرصفة
البطحاء، وكان غضبه يتصاعد كلما التفت فجأة وشاهدنا نمشي الهوينا خلفه، تفصلنا عنه
مسافة طويلة، أو استوقفتنا رائحة دجاج مشوي، تفوح من شواية نصبت أمام باب مطعم ما.
لم يرغب والدي أن يكرر خطأ مصور هوليوود؛ فقصد مصورا آخرا، وحرصت شقيقتي أن
تمشط شعر رأسي بعناية، بعد أن أشبعته بقارورة زيت أعطتها إياها والدتي، وساهم وجود
إخوتي حولي وأنا في وضع الجلوس لالتقاط الصورة، في خروج هذا العكس، التي يخفي في
تفاصيله خجلا بريئا أفرزته نظرات إخوتي نحوي، فانتقلت في هذه الصورة، من حالة
الطفل الباكي، إلى وضع "الطفل الخجول".
حرصت أن أزود مدير المدرسة بصورتي الجديدة في الصباح الباكر، قبل بدء
الاصطفاف الصباحي؛ ليضيفها إلى ملفي المدرسي، فأخذها ولم تظهر عليه أي بادرة
اهتمام، ويبدو أنه لم يثبتها في ملفي؛ فقد فوجئت حين أنهيت دراستي الابتدائية
واستلمت ملفي لإيصاله للمدرسة المتوسطة، أني لا زلت أبكي طوال السنوات الست في
زاوية الورقة اليسرى العلوية!
"رحم
الله جميع من ذكروا هنا، وغفر لهم وإياكم"



.jpg)



سرد جميل وذكريات جميلة للدرعية وتفاصيل حي سمحان
ردحذف