علاقة شركة الهند الشرقية بالدولتين السعوديتين الأولى والثانية .. تعايش أم تنافر!

 

علاقة شركة الهند الشرقية بالدولتين السعوديتين الأولى والثانية .. تعايش أم تنافر!

 

ينبغي قبل الحديث عن العلاقة بين الشركة البريطانية والدولة السعودية، الرجوع إلى المقالة السابقة، التي تناولت فيها بالتفصيل نشأة الشركة، واستصحاب الذهن لتدرج السلطات والصلاحيات في الشركة؛ ليحصل التصور الصحيح لما سأعرض له، في الرابط:

 https://rawzanatnajed.blogspot.com/2025/11/blog-post.html

كما مر معنى فإن الغرض الرئيس من إنشاء شركة الهند الشرقية كان غرضا تجاريا صرفا، وما جعل الشركة تمارس العمل السياسي بادئ بدء، المقاومة والمضايقات التي بدأت تتعرض لها مصالح الشركة التجارية، سواء في داخل الهند، أو في طرق تجارة الشركة البرية والبحرية.

 

وكون الشركة تدر على الاقتصاد البريطاني الشيء الكثير، كان لزاما على ملك بريطانيا أن يقدم لها تسهيلات كثيرة وتجاوزات في القانون البريطاني، حتى أنه منحها حق إعلان الحرب على أعدائها، ولاشك أن هذه الصلاحية تبين لنا أهمية الشركة للتاج البريطاني من جهة، والنفوذ المتعاظم للشركة داخل بريطانيا ذاتها، فضلا عن تمدد نفوذها في الشرق وجنوب آسيا.

 

ولم تكن الشركة تحتاج لحماية البوارج البريطانية في الخليج العربي، وعليه فلم تصل للخليج أي سفينة حربية قبل عام 1769م وذلك عندما طلبت حكومة بومباي مساعدة من قائد الأسطول في الهند الشرقية؛ لمطاردة سفن قبيلة بني كعب، الذين كانوا يزاولون نشاطهم انطلاقا من سواحل الخليج الشرقية، ومن ذلك الحين انتظمت رحلات البوارج البريطانية للخليج، انطلاقا من بحرية بومباي؛ حيث يوجد الفرع المسلح للشركة.

وكان أكثر ما تخشاه بريطانيا والشركة خاصة النفوذ الفرنسي في الخليج، وازدياد آمال نابليون بغزو بريطانيا في الهند انطلاقا من مسقط، وعليه فقد وقعت الشركة مع سلطان مسقط اتفاقية عام 1798 / 1212هـ بين المقيم البريطاني في بوشهر مهدي علي خان وحاكم مسقط سلطان بن أحمد، تعهد فيها السلطان بأن كل عدو لبريطانيا هو عدو له والعكس بالعكس.

 

وكانت بريطانيا تغض الطرف عن وجود السفن التجارية الفرنسية في موانئ مسقط، ولا تعد عملها حربيا؛ كي تتجنب الالتزام الحرفي بالاتفاقية مع سلطان عمان التي تقضي بمعاملة الفرنسيين كأعداء لعمان ما داموا أعداءً لبريطانيا، وكان هدف بريطانيا من ذلك تجنب الصدام مع السعوديين أيضا، فيما لو حاولوا غزو عمان من طريق البر، وفقا للمعاهدة الملزمة مع السلطان العماني.

 

أولا: العلاقة مع الدولة السعودية الأولى

نظرا لكون الدولة السعودية الأولى ليست بمعزل عن المنطقة الجغرافية التي تراها الشركة مسرحا لطرقها التجارية، فقد حظي السعوديون باهتمام متصاعد من الشركة، وراقبت عن بعد تمدد الدولة السعودية، واتساع رقعتها، ولم تكن الشركة تهتم بتوسع السعوديين كثيرا، ما دام توسعهم لا يزال في البر، ولم تصل سلطتهم للساحل الغربي من الخليج العربي.

 

وبناء على ما سبق فإن الشركة قد علمت بنشوء قوة من أسمتهم بالوهابيين في قلب نجد، وكانت سياستها عدم التدخل في الصراعات المحلية بين القوة الناشئة وخصومها داخل تراب شبه الجزيرة العربية، وكان الحاكم العام في كلكتا جورج بارلو، الذي يمثل أعلى سلطة لدى الشركة في الهند، ومساعده حاكم بومباي جوناثن دنكن يشددان دائما على تجنب الاصطدام مع السعوديين.

 

وكانت أول مواجهة حربية (غير مقصودة) بين البريطانيين والسعوديين، قد حدثت في أوائل عام 1799/1213 هـ عندما هاجمت قوة من جيش الدرعية الكويت، التي كانت تظهر ولاء لحكام الأحساء المناوئين للدولة السعودية، وكانت شركة الهند الشرقية قد نقلت عام 1793 / 1208هـ مقرها مؤقتا من البصرة للكويت إثر خلاف وقع بين وكيلها مانيستي والسلطات العثمانية في البصرة، وعليه فقد شارك الجنود الهنود الذين كانوا يحرسون مقر الشركة، في صد الهجوم على الكويت، كما شاركت بارجة بريطانية كانت ترسو في الميناء بقذائف مدفعيتها؛ الأمر الذي أدخل الشركة في مواجهة مباشرة مع الدرعية! 

 

عند ذلك رأت الشركة أنها ارتكبت خطًأ فادحًا بإظهار العداء للسعوديين، وأن مصالحها التجارية، وخط البريد الصحراوي عبر البصرة، ستتعرض جميعا لهجوم الموالين للدرعية، فأرسلت الضابط جون لويس رينو ليعتذر رسميا للإمام عبدالعزيز بن محمد، ويتعهد له بمراعاة الشركة الإنجليزية للصلات الطيبة مع بلاده مستقبلا

 

استوعبت الشركة جيدا الأضرار التي ستصيب مصالحها إذا ما عادت السعوديين؛ ومن ذلك أنه حينما عُيّن سيتون مقيما جديدا في مسقط عام 1805 / 1219هـ طُلب منه دعم السلطان الجديد، وأن يحاول إعادة سفن شركة الهند التي استولى عليها القواسم، بشرط أن يلتزم معهم منتهى الاعتدال، وأن يسترد السفن بالمفاوضات ولا يلجأ للعنف تحت أي ذريعة، وأن يتجنب الصدام مع من أسموهم بالوهابيين.

 

ولما عاد نابليون لاستئناف نشاطه في الهند الشرقية، خشيت بريطانيا بأن يعبر نابليون للهند من خلال فارس، أرسل وزير الخارجية البريطاني جورج كاننج مذكرة للمقيم السياسي في بوشهر هارفرد جونز يقترح عليه عدة أمور للحيلولة دون احتمال تعاون شاه الفرس مع فرنسا؛ منها أن العثمانيين الآن يميلون لصالح فرنسا، ولا سبيل في حال العجز عن إقناع شاه فارس بالحياد، وكذلك رفض باشا بغداد في التعاون مع الإنجليز، إلا التواصل مع الأمير (الوهابي) سعود بن عبدالعزيز، الذي وصفه كاننج بأنه سيد الجزيرة العربية، ولابد من إقناعه بالوقوف مع البريطانيين، ضد أي هجوم يشنه نابليون من البحر المتوسط. ( رسالة من كاننج لجونز في 28 أغسطس 1807/ 1222هـ مسودات المجلس البريطاني السرية، مجلد 3)

 


                                                             رسمية متخيلة للإمام سعود

لكن والي بغداد عكس ما توقع منه، أظهر تعاطفه مع البريطانيين وطلب إبقاء وكلائهم في العراق، وعبر عن نيته التزام الحياد، كما أن شاه فارس لم يبد تعاطفا مع الفرنسيين، وعليه فلم تعد الحاجة قائمة للتواصل مع الإمام سعود، لكن هذا الاقتراح إذا ما أضفناه إلى إرسال نابليون مبعوثه لاسكاريس للدرعية؛ ليقنع سعود بالتحالف معه في غزوه لبريطانيا في الهند، يكشف لنا المكانة الرفيعة التي تبوأها الأئمة من آل سعود بين القوى العظمى آنذاك؛ علما أن سعود التزام الحياد خلال الصراع البريطاني الفرنسي في المنطقة، وتسابقهم في الحصول على تأييده.

 

وقد رأى البريطانيون أن العلاقة مع الدرعية لابد أن يشوبها الود والاحترام، واضطرت بريطانيا إلى إلانة الجانب للإمام سعود؛ كي لا تنفتح عليها جبهتان في الوقت ذاته، فكان أن  طُلب في عام 1808 / 1223هـ من المقيم السياسي في بوشهر هارفورد جونز بأن يجري محادثات مع سعود فجرى إعداد خطة لاستغلال خصام السعوديين مع إمام اليمن، تقضي بتأمين حركة الملاحة في الخليج.

 

وفي عام 1810 / 1225هـ تزايدت هجمات رحمة بن جابر على السفن البريطانية، وقد جرى نقاش بين حاكم الهند وممثليه في الخليج، حول ما إذا كان رحمة يأتمر بأمر سعود أم لا؛ كي لا يسبب الهجوم عليه مواجهة مع السعوديين، واتفق الساسة على إرسال مبعوث الضابط البريطاني الكابتن واردن من الفرقة الخامسة والستين يحمل خطابا وديا لسعود، ويطلب منه كبح جماح رحمة.

 

وأجابه سعود بأنه لا يحمل ضغينة على البريطانيين ما داموا لا يتدخلون في صراعه مع جيرانه، وأن السفن البريطانية التجارية مرحب بها في الموانئ الخاضعة لحكمه، كما أنه يجب معاملة السفن التجارية التابعة لسلطة الدرعية بالترحيب في موانئ الهند، وقد طلب سعود من القواسم عدم التعرض لتجارة الشركة البريطانية.

 

وحين طلب السلطان سعيد بن سلطان من حاكم بومبي مساعدته في صد هجوم مطلق المطيري على أراضيه، أجابه بأن البريطانيين لم تعد لهم مصلحة في الصراع الدائر بينه وبين الوهابيين، وأن الأجدى له أن يوافق على اتفاقية سلام مع الوهابيين، تضمن استمرار حكمه.

 

وحين بدأت بوادر غزو محمد علي للدولة السعودية، أراد سعود أن يضمن عدم تدخل الفرس والبريطانيين في النزاع، فأرسل مبعوثه إلى شيراز إبراهيم بن عبدالكريم  ليفاوض شاه فارس، فتعهد الأخير بعدم التدخل، كما تعهد له المقيم البريطاني في بوشهر نيكولاس هنكي سميث بعدم تدخل بريطانيا في الصراع السعودي العثماني.

 

وفي أواخر عام 1813 / 1228هـ تلقت حكومة بومبي طلبا من سعود لتوقيع اتفاقية مع البريطانيين؛ وكان سعود وقتها يعاني من الفشل الكلوي، ويرى أن أيامه في تصرم، وأراد ضمان حياد البريطانيين تجاه خليفته الإمام عبدالله في النزاع مع محمد علي، وجرت إحالة الطلب للحاكم العام في كلكتا الأيرل أوف مويرا، الذي يبدو أنه علم بحالة سعود الصحية؛ فطلب من حاكم بومبي التريث في توقيع الاتفاقية، ومراقبة الوضع عن كثب، والاحتفاظ بالعلاقات الودية مع سعود، والسعي للإعراب عن تقدير البريطانيين للمواقف الودية السعودية الصديقة، وكان مويرا يرى أن ما وصفه بقرصنة القواسم في الخليج، لا علاقة لها بالوهابيين إطلاقا، وذلك سعيا منه لتجنب الصدام معهم!

                     

           حاكم بومبي يعرض في رسالة للحاكم العام طلب الإمام سعود توقيع اتفاقية (مكتبة قطر الرقمية)

وفي عام 1814 / 1229هـ توفي سعود وخلفه ابنه عبدالله – رحمهما الله – فأعلن عبدالله أنه سيستمر في سياسة والده تجاه البريطانيين وفي الخليج، وعلى إثر ذلك استدعى عبدالله، حاكم رأس الخيمة حسن بن رحمة للدرعية وأبلغه بضرورة وقف الهجمات على السفن البريطانية، وأبلغ المقيم في بوشهر وليم بروس أن هجمات القواسم على غير السفن البريطانية ستستمر، وأن على السفن البريطانية رفع ما يميزها عن غيرها، فوافق المقيم على ذلك، وبهذا اعترفت بريطانيا ضمنيا بحق القواسم كقوة لها حق الاحتفاظ بعلاقات دولية عادية مع الدول الأخرى!

 

وعليه فإن بريطانيا قد اشترت أمن سفنها من القواسم، وباعت حقوق السفن الأخرى؛ الأمر الذي جعل الإمام عبدالله عام 1815/ 1230هـ يحتفظ بحق الهجوم على سفينة تركية كانت تحمل تصريحا بريطانيا للعبور من البصرة إلى الهند، فكتب إلى بروس يحتج على إصدار تصريح لغير السفن البريطانية، وقال: "هؤلاء الكلاب الأتراك هم خصومي، وهم يسعون بخديعتهم هذه إلى بث الخصومة بيننا، فلا تخلطوا بين أعدائنا ورعاياكم، أو أن تصدروا لهم أذونا وتصاريح" (انظر رسائل حكومة بومبي السرية، مجلد 41 بتاريخ 22 / 8 / 1815وبرفقه خطاب عبدالله)

 

وفي عام 1816 / 1231هـ هاجم الأسطول البريطاني القواسم وقصف رأس الخيمة بعد أن هاجموا السفن الأوروبية، وهاجموا بعض القطع البريطانية العسكرية، عند ذلك أرسل الإمام عبدالله خطابا للمقيم في بوشهر وليم بروس ضمنه احتجاجه الشديد على مهاجمة القواسم، وكرر أن قواته ستهاجم السفن غير البريطانية.

 

وبسقوط الدرعية عام 1818/1233هـ كانت شرارة سقوط قوة القواسم قد بدأت، كما أنه في ذلك العام انتهت الحرب التي كانت تشنها ولايتا مهراتا وبنداري الهنديتان على البريطانيين؛ مما أتاح للحكومة البريطانية في الهند فرص توفير القوات اللازمة للعمل خارج الهند دفاعا عما أسمته بمصالحها، ومصالح رعاياها الهنود.، وعلى الفور بدأت استعدادها لشن هجوم على معاقل من أسمتهم بالقراصنة، بعد أن وضع الكابتن روبرت تايلور الوكيل السياسي المساعد في إسطنبول تقريرا عن مواقع وموارد وموانئ القراصنة المزعومين في الخليج.

 

أرسل الحاكم العام للهند الماركيز هستنجز رسالة تهنئة لإبراهيم باشا، وعرض على الباشا فكرة أن يهاجم من أسماهم بالقواسم حلفاء الوهابيين من البر، وتهاجمهم بريطانيا من البحر، وإن كان يقر الفكرة، فعليه أن يتواصل مع مع حاكم بومبي نيبين، ولما لم يعر الباشا اهتماما بمقترح هستنجز، أرسل الأخير الكابتن جورج سادلير ليحاول إقناع الباشا بالفكرة، ويعرض عليه أن بريطانيا ستسمح له بالمرابطة في رأس الخيمة بعد احتلالها بتعهد (شفوي وليس كتابيا)، وهذا ديدن البريطانيين مع الأطراف التي يعقدون معها اتفاقيات، تكون ملزمة في الظاهر، لكنها غير ملزمة حقيقة، كونهم يبيتون النية مسبقا بعدم الوفاء بها! ويمكن لمن أراد باقي التفاصيل قراءة كتاب رحلة سادلير، على أن التفاصيل الأخيرة لم يذكرها سادلير!

 


                                                    الحاكم العام في الهند فرانس هستنجز

وبسقوط الدرعية، انتقل كثير من سكانها إلى البريمي، وهي آخر حامية سعودية في الخليج لازالت بيد قوات الدرعية، إلا أن قائدها بتال المطيري قد رأى أن يكف عن المقاومة، عندما رأى أن حلفاءه من القواسم ينوون الزحف للبريمي واحتلالها، فاختار أسلم الطرق وسلم نفسه لحاكم عمان السلطان سعيد بن سلطان (محادثات بومبي السرية، مجلد 41 في 21/7/1819)..

 

ثانيا: العلاقة مع الدولة السعودية الثانية:

ولما أعاد الإمام تركي بن عبدالله حكم أجداده عام 1825 / 1240هـ جرى أول تواصل بينه وبين البريطانيين في الهند عام 1831/ 1246هـ عندما كلّف شيخ عجمان التابع لسلطته بإبلاغ حاكم بومبي ببعث رسالة تفيد برغبته إقامة علاقات ودية مع الحكومة البريطانية، وردت عليه الحكومة البريطانية تبادله فيها الرغبة ذاتها، حملها المقيم البريطاني في الخليج هانيل.

 

وفي السنة ذاتها بعث حاكم الشارقة سلطان بن صقر برسالة للشركة البريطانية يستفسر منها عن إمكانية دعم الشركة لاستقلاله فيما لو عاد حكم آل سعود، وطلبوا منه الدخول في سلطتهم، والغزو معهم ضد سلطان عمان، فأجابته الشركة أنها لا تؤيد انضمامه للسعوديين، وقد يؤدي ذلك إلى عودة ما أسمتها بالقرصنة في الخليج، وأن البريطانيين لا ينوون القيام بأي إجراء ضد (الوهابيين) طالما انحصر نشاطهم في البر، لكن حاكم الشارقة أعاد طلبه عام 1830/ 1245هـ مقترحا على المقيم البريطاني في أعقاب استرداد الإمام تركي للأحساء، بأن تشترك الحكومة البريطانية مع قبائل الساحل في وقف التوسع الوهابي، وقد رُفض اقتراحه، وأُخبر أن سياسة بريطانيا تقضي بعدم التدخل مطلقا في السياسات الداخلية لسكان المنطقة.

 

وفي العام ذاته طلب الإمام تركي من حاكم البحرين عبدالله بن أحمد الاعتراف بسلطته ودفع الزكاة، إضافة إلى دفع 40,000 ريال فرانسي قيمة الخيول التي تركها حكام الدولة السعودية الأولى في البحرين، أثناء انسحابهم من الإمارة، وتسليم قلعة الدمام إلى بشير نجل رحمة بن جابر، طلب عبدالله تأييد البريطانيين في رفضه لطلب تركي، لكنه تلقى الجواب ذاته الذي تلقاه حاكم الشارقة، لكن تركي اكتفى باعتراف عبدالله بتركي كصاحب سلطة عليا عليه، ودفع الزكاة، وصرف النظر عن تسليم قلعة الدمام، وتعيين بشير أميرا لجزيرة تاروت.

 

وفي عام 1833/ 1248هـ زحف عمر بن عفيصان على عمان، وطالب السلطان سعيد حاكم عمان بالخضوع لسلطة الإمام تركي ودفع الزكاة المقررة (5000 فرانسي)، فكتب سعيد للمقيم البريطاني في بوشهر بلين، يذكره بأنه في وضع خطير جدا، وأنه غير واثق في مقدرته على الصمود، فنصحه بلين بالتفاهم مع ابن عفيصان، وحل الأمور وديا، وأن التعليمات التي لديه تقضي بعدم التدخل، وهكذا جرى الاتفاق على ما ذكر. (مختارات بومبي، مجلد 24، ص 206إعداد كمبل)

 

عندما أغتيل الإمام تركي وخلفه ابنه فيصل، عقد أعضاء مجلس إدارة الشركة البريطانية اجتماعا رؤوا فيه أن سيطرة الوهابيين على سواحل الخليج العربية لا تمليه دوافع شريرة، وإنه يمكن الاعتماد على حسن نية الأمير الوهابي الجديد، في منع (القراصنة) من العودة إلى سابق أعمالهم، فقد كان بلين والمسؤولون البريطانيون يرون أن الاعتدال الذي أظهره تركي ونجله فيصل تجاه جنوب شرق الجزيرة، لا يمكن تحقيقه بالإمكانات المتوفرة لهما، وأن الحكومة البريطانية قد تضطر للتدخل دون اضطراب الأمن في الخليج، وحينها قد تدخل في مواجهة مباشرة مع الوهابيين!

 

وحينما سقطت الرياض في يد الأمير خالد بن سعود، تلقى المقيم السياسي بالوكالة في بوشهر الكابتن هنل الخبر، وكانت الشركة تخشى من مواصلة القوات العثمانية الزحف، واحتلال السواحل الغربية للخليج ومن ثم الانطلاق لبغداد، وأرسل هنل تقارير دقيقة عن قوات محمد علي إلى حاكم بومبي، والمقيم السياسي البريطاني في طهران ماكنيل، الذي أرسلها عاجلا إلى لندن، ونصح وزير الخارجية البريطاني بالمرستون بالتريث، والتحقق من نوايا محمد علي، الذي سرعان ما أعلن استقلاله عن السلطان العثماني وتأسيس حكم أسرته لمصر وسوريا، فأمر بالميرستون بتوجيه خطاب شديد اللهجة لمحمد علي يحذره من عواقب تحركاته نحو الخليج.

 

وفي عام 1839/ 1254هـ وصل مبعوث الباشا يوسف أرتون إلى بوشهر يحمل خطابا من خورشيد باشا مخبرا المقيم السياسي هنل أن الباشا يسيطر على نجد، وأن فيصل بن تركي أخذ أسيرا إلى مصرا، وأن خالد بن سعود يسيطر على الأمور، وأن البحرين التي تخضع للوهابيين ستصبح قريبا خاضعة لمحمد علي، وأن الملاحقة لرجال فيصل ستجري في البحرين للقبض عليهم وعلى رأسهم عمر بن عفيصان، أما مواطني البحرين فلن يمسهم سوء! لكن خطط خورشيد تغيرت حينما لم يتلق تأييدا من محمد علي بغزو البحرين.

 

لم تجر السلطات البريطانية في الهند أي تواصل مباشر مع خالد بن سعود؛ كونها تراه حاكما صوريا في نجد، وما أن وعندما عاد الإمام فيصل للحكم، نظرت لعودته بتحفظ، بينما يرى المقيم السياسي في بوشهر هنل أن فيصلا سيمارس نفوذا أكثر ثباتا سياسيا من خالد، وأنه سيتماشى مع السياسة البريطانية في المنطقة، لكن فيصلا حينما عاد للحكم بدأ في إعادة نفوذه في الخليج، فرأت حكومة بومبي أن تستمر في إظهار مشاعر الصداقة تجاه فيصل، طالما اقتصرت جهوده على تثبيت حكمه في البر، أما إذا أصبحت سيطرته تهدد بعودة أعمال (القرصنة) فينبغي مقاومة ذلك.

 

وفي عام 1843 / 1258 تواصل شيوخ النعيم مع البريطانيين مبدين مخاوفهم من سيطرة الوهابيين على البريمي، وأبلغتهم السلطة البريطانية، أن معارضتها سابقا كانت لنفوذ خالد بن سعود في المنطقة، كونه موالي للمصريين، أما بعد زوال خالد والمصريين، فإن بريطانيا لن تتدخل في الشؤون الداخلية للمنطقة، وقد أرسل الإمام فيصل بخطاب للمقيم السياسي البريطاني يخبره فيه أنه عاد للحكم في نجد والأحساء، وأمله في استمرار العلاقات الودية السابقة مع الحكومة البريطانية، فأجابته حكومة الهند برد ودي، وأنها تأمل بأن لا يتعارض امتداد نفوذه للساحل مع المحافظة على السلم في المنطقة.

 

وفي عام 1845 / 1260هـ أمر فيصل قائده في الأحساء سعد بن مطلق بالزحف إلى عمان، فأرسل نائب سلطان عمان ثويني بن سعيد رسالة إلى المقيم في بوشهر هنل يسأله رأيه، فأشار عليه هنل بعدم استفزاز قوات فيصل، وأن يوافق على مطالبه، وكان لمخاوف ثويني ما يبررها حين علم أن شيوخ الساحل سارعوا لتأييد فيصل، عدا خليفة بن شخبوط حاكم أبو ظبي ومكتوم بن بطي حاكم دبي.

 

 وحينما طلب سعد بن مطلق دفع الزكاة للرياض، أرسل ثويني لحاكم بومبي يطلب منه المساعدة، فأجابه أن الحاكم العام لا يستطيع مساعدته بسبب بيان مجلس إدارة الشركة البريطانية في الهند الصادر عام 1844 القاضي بعدم أحقية سلطان مسقط في طلب الحماية البريطانية ضد (الوهابيين) أو الدخول في أي خصومة في شبه الجزيرة، طالما الوهابيون في علاقة ودية مع الحكومة البريطانية، وإذا كان هدف سعد بن مطلق احتلال شمال عمان، فإن الحاكم العام للهند لا يرى التدخل لمنع ذلك، إلا إذا كان فيصل بن تركي يهدف إلى دفع نفوذه إلى ما وراء حدود سيطرته السابقة! أو أن نفوذه سيحيي أعمال (القرصنة) في مياه الخليج، كما أن الحاكم العام يرى أنه لا يستطيع توجيه أي تهديد لا يستطيع تنفيذه للقائد سعد بن مطلق!

 

وعندما استأنف القائد ابن مطلق هجماته على مسقط، أرسل ثويني إلى هنل يطالبه بوقف هجمات السعوديين، فأرسل هنل طرادين لمراقبة الساحل الباطنة العماني، وبعث برسالة احتجاج للإمام فيصل، يحتج على تصرفات نائبه، فأجابه فيصل أنه لا ينوي السيطرة الكاملة على البر العماني، وانتهى النزاع بدفع ثويني الزكاة للرياض.

 

 وفي إبريل من عام 1850 / 1265هـ دعا الإمام فيصل حاكم البحرين محمد بن خليفة إلى دفع الزكاة له، ومقدارها 4000 ريال فرانسي وعشرة من الجياد الأصيلة، وإن امتنع فلا يلومن إلا نفسه، وانتفض أهل الدوحة على حاكم البحرين، وأعلنوا انضمامهم للإمام فيصل، فبعث ابن خليفة رسالة للمقيم البريطاني في بوشهر هنل، ودعاه إلى مساعدته، فأجابه أن السياسة البريطانية لازالت قائمة على الامتناع عن التدخل في تصرفات الأمير فيصل، أو غيره من زعماء المنطقة، طالما لم تؤثر مواقفهم في صفو الأمن في الخليج، وأن حكومة الهند تأسف لوقوع البحرين تحت سلطة (الوهابيين) وما دام لم يتلقَ تعليمات بالتدخل من حكومة بومبي فإنه لا يستطيع عمل شيء لابن خليفة!

 

وأرسل الإمام فيصل الشيخ عبدالعزيز!؟ مبعوثا سريا لهنل في بوشهر عن طريق الكويت؛ حيث كانت القطيف تحاصر من قبل ابن خليفة، وأخبر المبعوث السعودي هنل انزعاج الإمام فيصل من تدخل الحكومة البريطانية في منع رعاياه في رأس الخيمة ودبي من تقديم المساعدة لفيصل في إخضاع رعاياه في البحرين، بينما غضت الطرف عن مساعدة حاكم دبي سعيد بن طحنون لحاكم البحرين، وهو التصرف المخالف للسياسة البريطانية التي تؤكد دائما عدم تدخلها في الصراعات الداخلية في الساحل!

 

وأجاب هنل المبعوث السعودي بأن بريطانيا لم تعترف بسيادة الأمير فيصل على البحرين، التي تربطها بها معاهدة منذ ثلاثين عاما، كما أن عزوف شيوخ الهدنة (إمارات الساحل) عن مساعدة فيصل، كان بسبب قلقهم من على مصير الأمن في البحر، وليس نتيجة موقف عدائي، أما مساعدة بني ياس لآل خليفة فإنها لم تكن بإيعاز من الحكومة البريطانية، وإنما لأن فيصل كان ينوي إخضاعهم لسلطته. وفي السنة ذاتها وصل مبعوث آخر من الإمام فيصل لبوشهر هو الشيخ عبدالرحمن بن إبراهيم، وأخبر هنل أن الإمام فيصل قد صرف النظر عن الهجوم على البحرين، لكنه لا يزال يعد عمان وساحل الباطنة تابعة له.

 

وحين احتدم الخلاف بين أمير البحرين محمد بن خليفة وابن عمه محمد بن عبدالله، تدخل المقيم البريطاني في بوشهر الكابتن فيلكس جونز، وأرسل إنذارا لمحمد بن عبدالله الذي كان يقيم في الدمام محذرا إياه من الاعتداء على البحرين، وأنه سيسعى لطرده، لكن والي بغداد الذي يعد الدمام جزءً من ولايته – حسب ادعاءه - أبلغ القنصل البريطاني في بغداد الكولونيل كامبل، باحتجاجه على تدخل جونز، وأن محمد بن عبدالله يتبع لأمير نجد الذي يخضع – حسب ادعاءه للسلطان العثماني!

 



             
     رسالة محمد بن عبدالله بن خليفة للإمام تركي يخبره فيها بانصياعه لسلطته عام 1269هـ 

فأجابه كامبل بأن بريطانيا على اتصال مباشر بأمير نجد ومع قبائل ساحل الأحساء الخاضعة له، وأنها تعد أمير نجد مسؤولا عن رعاياه في الساحل وما يصدر عنهم، وأضاف كامبل في خطاب وجهه للقنصل البريطاني في إسطنبول إثر استفسار الأخير، "إن الباب العالي لم يقم في أي وقت بفرض سيطرته أو مد نفوذه على نجد، وأن العثمانيين لم يملكوا نفوذا يمنع أتباع فيصل من القرصنة – حسب زعمه – ما يؤكد أن العثمانيين ليس لهم سيطرة على نجد، وأن السلطان العثماني لا يملك معاقبة من يتمرد في نجد، وذلك بسبب عدم وجود أي نظام يديره الأتراك هناك، وأن السياسة البريطانية في الخليج سوف تتأثر إلى حد كبير، فيما لو ساءت العلاقات مع الأمير فيصل، وأن الحكومة البريطانية ستضطر إلى الانسحاب من سواحل (الوهابيين)". (الخطابات السرية إلى بومبي، مجلد 146، في 12/2/1862، من كامبل إلى بلدار)

 

وشهدت ستينيات القرن التاسع عشر الميلادي تغيرات كبيرة في إدارة الشؤون البريطانية في الخليج؛ فقد انتقلت السلطة على الهند البريطانية من شركة الهند الشرقية إلى التاج البريطاني في عام 1858مما قضى على دور البحرية الهندية التي تقلصت أهميتها إلى أن أصبحت مسؤولة عن نقل البريد من السويس إلى بومبي أو البصرة، كما جرى تعيين لويس بيلي في مقيمية بوشهر خلفا لفليكس جونز، وكان الأخير حسب التقارير غير كفء ومارس صراعات تافهة – حسب التقارير – مع زملائه، ومارس إجراءات سياسية حمقاء، أدت توريط حكومته في مشاكل شبه الجزيرة العربية، والكلام لا يزال للتقارير!

وحينما أرسل بيلي خطابا للإمام فيصل يخبره أنه أصبح مقيما سياسيا في بوشهر خلفا لفليكس جونز، تلقى من الإمام خطابا غير ودي، يتسم بالعداء الشديد للسياسة البريطانية في المنطقة؛ الأمر الذي جعل بيلي يقرر زيارة الرياض لتلطيف العلاقة مع الإمام فيصل، وكذلك محاولة تقريب وجهات النظر بين فيصل وثويني سلطان عمان، وكان ينوي زيارة الرياض دون استئذان، ولكنه حين وصل الكويت حذره الشيخ جابر الصباح من مغبة دخول نجد دون استئذان، فأرسل خطابا للإمام وصله الرد عليه بعد شهر، متضمنا السماح له بالزيارة، دون إظهار مشاعر الترحيب.

      

 

                                   خطاب لويس بيلي يستأذن الإمام فيصل في زيارة الرياض 1281هـ

توجه بيلي للرياض في عام 1865/ 1281هـ يصحبه الدكتور كولوفيل ونحو أربعين فردا من الحرس؛ حيث كان بيلي يتملكه الخوف على حياته أثناء الزيارة، حين أخبره محبوب بن جوهر السكرتير الخاص للإمام بأن الأخير مستاء جدا من السياسة البريطانية، وأن سبب الاستياء تصرفات المقيم السابق فيلكس جونز، وحين قابل بيلي الإمام فيصل لاحظ أنه قد كف بصره، وأخذ يد بيلي وتحسسها، ثم أذن له بالجلوس.

 

وأخبر فيصل بيلي أن غالب الجزيرة العربية تدين له، بما في ذلك عمان والكويت، وأخبره أن بريطانيا دولة تلتزم الحياد في الخليج، وهو ما يحسب لها، غير أنها تكره الدين الإسلامي، سائلا الله أن يمن عليهم بالإسلام، ثم انتقل حديثه عن ثويني بن سعيد سلطان عمان، فأغلظ فيه القول، وأنه لم يدفع الزكاة إلا بالقوة، ثم عرج على ذكر الأوروبيين الذين زاروا الرياض، مفيدا أن بيلي ليس أول من يزوره، بل سبقه بسنوات قائد إحدى السفن الفرنسية وعرض عليه المساعدة! فأعرب له عن شكره للحكومة الفرنسية، وأنه ليس في حاجة للمساعدة.

 

وحين تحدث بيلي عن عزم بريطانيا مد التلغراف في الخليج، أخبره فيصل أن عباس باشا حاول مد التلغراف هو الآخر في نجد، لكنه صرف النظر بسبب اعتداءات البادية على الخط، ثم سأل الإمام فيصل بيلي عن إمكانية مساعدة بريطانيا له بالسلاح في صراعه مع الأتراك فيما لو حاولوا مهاجمة بعض البلدان الشرقية، فأجابه بيلي أن ذلك غير محتمل.

 

كان بيلي يحس بتفاقم الخطر على حياته خلال مكوثه في الرياض، ولاحظ أن محبوب بن جوهر يحاول تمديد زيارته للرياض، لكنه أصر على المغادرة بعد ثلاثة أيام، وطلب من رفاقه التدخين سرا كي لا يثيروا غضب (الوهابيين) وأخذ رسمة للأمير كان مرافقه الضابط ديوز قد رسمها ومزقها، خوفا من أن يجدها معهم من أسماهم بالمتعصبين، عند تفتيشهم فيفتكوا بهم، فأصبح شغل بيلي الشاغل كيفية الخروج من الرياض سالما، وظل بيلي يسير بمسافة خلف القافلة العائدة به ورفاقه، كي يضمن أن أحدا لن يعتدي عليه منهم، ولم يطمئن إلا بعد أن بلغ الهفوف، ولم يذكر بيلي تفاصيل هلعه الكبير في مذكراته، غير أن مرافقه الطبيب كولوفيل وصف هلع بيلي وفريقه المرافق في تعليق نشره في مجلة أدنبره؛ مما سبب غضب بيلي الشديد، وطرد الطبيب من بوشهر!

 

ويظهر أن رعب بيلي خلال إقامته في الرياض، قد انعكس سلبا على علاقته مع الإمام فيصل، فأخذ يكتب التقارير للحاكم العام في الهند لورنس، حول ضرورة أن تضبط بريطانيا تدخلات الأمير فيصل في عمان، وأوضح لحاكم بومبي فرير أن سيطرة السعوديين على شمال عمان تأتي من استخدامهم للبريمي نقطة انطلاق في المنطقة، وأنه لابد من هزيمتهم في البريمي، من خلال هجوم يشنه عليهم حاكم عمان  ثويني بن سعيد، بمساعدة بريطانية من البحر، وتحذير شيوخ الخليج من مساعدة فيصل، لكن لورنس لم يوافق على ذلك، واكتفى بطلب إفهام الإمام فيصل أن بريطانيا لا تؤيد تدخلاته في عمان، وأن إمام عمان صديق وحليف للبريطانيين.

 

وفي عام 1866 / 1282هـ شنت القوات السعودية هجوما على صحار، وقتلت مجموعة من الرعايا الهنود البريطانيين، فاحتج بيلي على الهجوم السعودي وطلب تعويضا من الإمام فيصل، فرفض الأخير طلبه، عندها قرر بيلي مهاجمة الدمام بالبوارج البريطانية، واستأذن الحاكم العام في الهند، مخبرا إياه أن الهجوم سيكون غير معلن، حتى إذا فشل الهجوم لا تُحرج بريطانيا في المنطقة، ولا يعلم بفشل الهجوم أحد، وقبيل تنفيذ الخطة علم بيلي بوفاة الإمام فيصل، لكن ذلك لم يثنه عن مواصلة ما عزم عليه، فتقدم الطراد البريطاني هايفلاير نحو القطيف وقصف بعض السفن الشراعية، لكنه لم يستطع مواصلة التقدم للساحل بسبب ضحالة الماء، فتوجه للدمام لقصف قلعته، لكن قذائف الطراد لم تصل للحصن، ولم يستطع الاقتراب من الساحل بسبب الشعب المرجانية، وأدت مقاومة الحامية السعودية إلى مقتل ثلاثة أفراد وجرح ضابطان من طاقم الطراد، فتلقى بيلي نبأ فشل الهجوم بغضب وخيبة أمل!

 

وما أن تولى الإمام عبدالله بن فيصل الحكم في الرياض، حتى أرسل خطابا لبيلي بتاريخ 28 يناير 1866 / 1282هـ حمله مبعوثاه إلى بوشهر، أخبره فيه عدم ممانعته في توسط بيلي بينه وبين حاكم عمان الجديد سالم بن ثويني؛ الذي لتوه قد اغتال والده وتولى حكم عمان خلفا له، وأكد الإمام عبدالله أن أهالي مسقط هم رعاياه، وأنهم يدفعون الزكاة له منذ عهد من سبقوه في الحكم، وذكره بالمعاهدة مع البريطانيين التي تنص على أن سكان مسقط خاضعون للرياض، ولا يحق للبريطانيين التدخل في شؤونهم.

 

غير أن بيلي كان اهتمامه منصبا على عدم غزو السعوديين لعمان، وأن بريطانيا لن تعترض على دفع العمانيين الزكاة لعبدالله بن فيصل، وطلب من مبعوث الإمام، محمد بن عبدالله بن مانع خلال اجتماعه به، تقديم تعهد خطي باسم الإمام يتضمن ذلك، فقدم له ابن مانع التعهد الخطي نيابة عن الإمام، وضمّنه أيضا تعهد الإمام بحماية الرعايا البريطانيين في الأراضي التي تخضع لحكمه، وأبرق بيلي بالتعهد إلى حكومة بومبي للتصديق عليه، ومنها إلى الحاكم العام للهند، الذي اشترط أن بريطانيا لا تتدخل في أمر الزكاة بين الطرفين، وأن أمر استمرارها يكون بمعزل عن ضمان البريطانيين.

 

واستفسر بيلي من ابن مانع عن الاتفاقية التي ذكرها الإمام بين السعوديين وحكومة بريطانيا منذ القدم حول عمان، فأجابه ابن مانع أن أمراء نجد كانوا يتلقون من حين لآخر رسائل من المسؤولين البريطانيين، وأن الرياض تعد هذه الرسائل بمثابة المعاهدات، وفي نهاية المقابلة سلم بيلي الوفد خطابا للإمام فيصل تضمن أن بريطانيا لن تضمن دفع الزكاة باستمرار للسعوديين إذا ما توقف العمانيون عن دفعها، وأن الخلاف ينبغي حله بين الطرفين بمعزل عنها.

 

وتغير مجرى الأحداث سريعا في البريمي حينما أغتيل حاكمها السعودي تركي بن أحمد السديري بإطلاق الرصاص عليه في السابع من أبريل 1869/ الموافق 25/12/1285هـ حينما كان في الشارقة محاولا إقناع سالم بن ثويني بالعودة لحكم عمان بعد أن أطاح به عزان بن قيس، وعلى الفور حرض بيلي عزان بن قيس بالزحف على البريمي واحتلالها، مستغلا اضطراب حاكمها الجديد عبدالرحمن السديري، وكان بيلي يشعر بالغضب بسبب فشل محاولته في الرياض، ومحاولته غزو الدمام؛ الأمر الذي عرضه لانتقادات شديدة من الحاكم العام في الهند.

 

توجه عزان بن قيس على رأس جيش قوامه 1500 رجل واستطاع احتلال البريمي، لكن المقيم البريطاني في مسقط ديسبراو توقع أن (الوهابيين) سينتقمون سريعا من عزان، كونه شن هجوما بغير وجه حق، ووقع ما توقعه ديسبراو إذ بعث الإمام عبدالله بن فيصل برسالة لعزان ورد فيها" من عبدالله بن فيصل إمام المسلمين إلى عزان بن قيس، لقد علمنا بما فعلتموه في البريمي، وسوف نزوركم بعشرين ألف مقاتل، ونأمل أن نلقى استقبالا حسنا منكم" ولم يحفل عزان بالتهديد كونه قد علم أن فيصلا لن يتعدى نجدا، وهو في خصومة قوية مع شقيقه الأمير سعود، لكن أمله سرعان ما خاب حينما تغيرت الأوضاع في نجد سريعا؛ بهروب سعود من نجد، ونزوله البريمي، ثم انتقل إلى عمان، ونزل عند حاكمها عزان بن قيس، واستطاع الإمام عبدالله استرداد البريمي وجعل وزيره محبوب بن جوهر حاكما لها.

 

وحينما احتدم الخلاف بين الأمير سعود والإمام عبدالله، وأدى ذلك إلى تولي الإمام سعود الحكم في الرياض، ومغادرة الأمير عبدالله لحائل وطلبه العون من الأتراك لاسترداد حكمه، بعث سعود برسالة لبيلي موضحا فيها خططه للدفاع عن نجد، ووقف الحملة التركية، واستأذنه للقيام بعمليات في مياه الخليج الذي تسيطر عليه بريطانيا، لمنع الإنزال البحري التركي في القطيف، إلا أن بيلي تجاهل رسالة سعود ولم يرد عليها!

 

وفي سياق تطورات الإنزال التركي في العقير والقطيف، بعث الإمام سعود بن فيصل برسالة إلى بيلي يعبر فيها عن احتجاجه على سماح بريطانيا لتركيا بالاعتداء على بلاده عن طريق البحر، وكان سعود يهدف إلى إرغام بريطانيا لتركيا بحصر عملياتها في البر، إلا أن بيلي لم يكن يملك الإمكانات التي يوقف بها الإنزال التركي! وحين بعث له الإمام سعود بخطاب آخر يطلب منه التوسط بينه وبين الأتراك لحل النزاع على حكم نجد، أيد بيلي ذلك، لكن الحاكم العام في الهند قرر عدم التدخل في الصلح؛ كون نجد ليست من ضمن اهتمام بريطانيا!

 

وهكذا انقطع التواصل بين شركة الهند الشرقية وممثلي التاج البريطاني في الهند مع الأمراء السعوديين، جراء خروج جميع مناطق الساحل الغربي للخليج العربي، من سيطرة السعوديين، وخروج الأحساء وعمان ومشيخات الخليج عامة من سيطرة الدولة السعودية الثانية، ورافق ذلك الانقطاع انتهاء فترة خدمة بيلي كمقيم بريطاني في بوشهر في عام 1873 / 1289هـ ومغادرته المنطقة، لينظم لحاكم بومبي السابق بارتل فرير في مهمته الجديدة في زنجبار، سعيا للحد من تجارة الرقيق، وبذهابه انتهت سيطرة ممثلي شركة الهند الشرقية في الخليج، ورأى الحاكم العام ماير؛ الممثل للتاج البريطاني في الهند، أن المتغيرات الدولية تحتم أن تتولى المملكة المتحدة بنفسها، إدارة مصالحها في المنطقة، ورفع مقترحة لوزارة الخارجية البريطانية، وهكذا بدأ السياسيون يتخلون تدريجيا عن التدخل في سياسة الخليج.

 

وإن كانت بريطانيا الهندية قد انتهى تواصلها مع الأمراء السعوديين ممن هم في سدة الحكم بعد أن فقدوا سلطتهم في شرق الجزيرة العربية، إلا أننا نستطيع أن نرصد بعض الاتصالات بين ممثليهم في المنطقة وبعض الأمراء السعوديين الطامحين لتولي السلطة، ممن سعوا هم ابتداء للاتصال بالسياسيين البريطانيين؛ ومن ذلك الأمير عبدالله بن ثنيان الذي تواصل في عام 1880/1297هـ مع البريطانيين طالبا منهم دعمه لتولي السلطة على الأحساء، مستمدا أحقيته كونه ابن عبدالله بن ثنيان بن إبراهيم آل ثنيان، الذي كان حاكما للرياض بعد أن أزاح خالد بن سعود عن الحكم عام 1841/1257هـ

 

وكان عبدالله بن عبدالله يقيم في البصرة عدة سنوات، وأخبر المقيم البريطاني السياسي في البصرة روبرتسون عام 1879/1296هـ أنه سيتوجه للقسطنطينية ليطالب الباب العالي بتعيينه أميرا على نجد، وإن رفض طلبه فسيقترح تعيينه واليا على الأحساء، وإن رفض السلطان طلبه، فسيتواصل مع السفراء الأجانب في القسطنطينية لدعمه، ووصف روبرتسون الأمير عبدالله بأنه كفء وواسع الاطلاع رغم ما أسماه (تشدده الديني) إلا أنه ليس متعصبا لرأيه، كما أنه – والرأي لروبرتسون – من أشجع آل سعود.

 

وفي بداية العام الميلادي الجديد 1880 اجتمع الأمير عبدالله بالقنصل البريطاني في جده خلال أداء عبدالله للحج، وتسلم منه خطابات توصية لماليت القنصل العام البريطاني في القاهرة، ولم يتعهد ماليت لعبدالله بشيء، ووعده بعرض الأمر في لندن، ثم توجه عبدالله لدمشق واجتمع هناك بنائب القنصل البريطاني، وفي شهر يونيو وصل القسطنطينية، وتواصل مع السفير البريطاني هناك، لكنه لم يجد تجاوبا، ويظهر أنه طاب له البقاء هناك، وتزوج وأنجب ابنه محمد، الذي أنجب الأميرة عفت الثنيان،،،

وكتبه/ الدكتور عبدالحكيم بن عبدالرحمن العواد

 

المراجع:

الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية، نجدة فتحي صفوة

سياسة الأمن البريطاني في الخليج، عبدالعزيز إبراهيم

بريطانيا والخليج، جون كيلي

تاريخ البلاد السعودية في دليل الخليج، لوريمر، ترجمة محمد الخضيري

بريطانيا وإمارات الساحل العماني، عبدالعزيز إبراهيم

مكتبة قطر الرقمية

 

 

  

 

 

 

x

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شركة الهند الشرقية وعلاقتها بالتاريخ ورسم السياسة البريطانية لدى دول الخليج في القرنين الميلاديين الماضيين